الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

55

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بمسمع المخاطبين ومرآهم . وحمل ابن عطية فعل جاءَكُمُ على معنى : فقد تبين لكم النصر ورأيتموه أنه عليكم لا لكم ، وعلى هذا يكون المجيء بمعنى الظهور : مثل وَجاءَ رَبُّكَ [ الفجر : 22 ] ومثل جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [ الإسراء : 81 ] ولا يكون في الكلام تهكم . وصيغ تَسْتَفْتِحُوا بصيغة المضارع مع أن الفعل مضى لقصد استحضار الحالة من تكريرهم الدعاء بالنصر على المسلمين ، وبذلك تظهر مناسبة عطف وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ - إلى قوله - وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي تنتهوا عن كفركم بعد ظهور الحق في جانب المسلمين . وعطف الوعيد على ذلك بقوله : وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ أي : إن تعودوا إلى العناد والقتال نعد ، أي نعد إلى هزمكم كما فعلنا بكم يوم بدر . ثم أيأسهم من الانتصار في المستقبل كله بقوله : وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ أي لا تنفعكم جماعتكم على كثرتها كما لم تغن عنكم يوم بدر ، فإن المشركين كانوا يومئذ واثقين بالنصر على المسلمين لكثرة عددهم وعددهم . والظاهر أن جملة : إِنْ تَعُودُوا معطوفة على جملة الجزاء وهي : فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ . و لَوْ اتصالية أي لَنْ تغني عنكم في حال من الأحوال ولو كانت في حال كثرة على فئة أعدائكم ، وصاحب الحال المقترنة ب ( لو ) الاتصالية قد يكون متصفا بمضمونها ، وقد يكون متصفا بنقيضه ، فإن كان المراد من العود في قوله : وَإِنْ تَعُودُوا العود إلى طلب النصر للمحق فالمعنى واضح ، وإن كان المراد منه العود إلى محاربة المسلمين فقد يشكل بأن المشركين انتصروا على المسلمين يوم أحد فلم يتحقق معنى نعد ولا موقع لجملة : وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ فإن فئتهم أغنت عنهم يوم أحد . والجواب عن هذا إشكال أن الشرط لم يكن بأداة شرط مما يفيد العموم مثل ( مهما ) فلا يبطله تخلف حصول مضمون الجزاء عن حصول الشرط في مرة ، أو نقول إن اللّه قضى للمسلمين بالنصر يوم أحد ، ونصرهم وعلم المشركون أنهم قد غلبوا ثم دارت الهزيمة على المسلمين ؛ لأنهم لم يمتثلوا لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبرحوا عن الموضع الذي أمرهم أن لا يبرحوا عنه طلبا للغنيمة فعوقبوا بالهزيمة كما قال : وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ [ آل عمران : 166 ] - وقال - إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ